ابن الجوزي

82

زاد المسير في علم التفسير

قوله تعالى : ( وما أنتم بمعجزين في الأرض ) إن أراد الله عقوبتكم ، وهذا يدخل فيه الكفار والعصاة كلهم . ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام ( 32 ) إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ( 33 ) أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير ( 34 ) ويعلم الذين يجادلون في آياتنا مالهم من محيص ( 35 ) فما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ( 36 ) قوله تعالى : ( ومن آياته الجواري في البحر ) والمراد بالجوار : السفن . قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو : " الجواري " بياء في الوصل ، إلا أن ابن كثير يقف أيضا بياء ، وأبو عمرو بغير ياء ، ويعقوب يوافق ابن كثير ، والباقون بغير ياء في الوصل والوقف ، قال أبو علي : والقياس ما ذهب إليه ابن كثير ، ومن حذف ، فقد كثر حذف مثل هذا في كلامهم . ( كالأعلام ) قال ابن قتيبة : كالجبال ، واحدها : علم . وروي عن الخليل بن أحمد أنه قال : كل شيء مرتفع - عند العرب - فهو علم . قوله تعالى : ( إن يشأ يسكن الريح ) التي تجريها ( فيظللن ) يعني الجواري ( رواكد على ظهره ) أي : سواكن على ظهر البحر لا يجرين . ( أو يوبقهن ) أي : يهلكهن ويغرقهن ، والمراد أهل السفن ، ولذلك قال : ( بما كسبوا ) أي : من الذنوب ( ويعف عن كثير ) من ذنوبهم ، فينجيهم من الهلاك . ( ويعلم الذين يجادلون ) قرأ نافع ، وابن عامر : " ويعلم " بالرفع على الاستئناف وقطعه من الأول : وقرأ الباقون بالنصب ، قال الفراء : هو مردود على الجزم ، إلا أنه صرف ، والجزم إذا صرف عنه معطوفه نصب . وللمفسرين في معنى الآية قولان : أحدهما : ويعلم الذين يخاصمون في آيات الله حين يؤخذون بالغرق أنه لا ملجأ لهم والثاني : أنهم يعلمون بعد البعث أنه لا مهرب لهم من العذاب . قوله تعالى : ( فما أوتيتم من شيء ) أي : ما أعطيتم من الدنيا فهو متاع تتمتعون به ، ثم يزول سريعا ، ( وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا ) لا للكافرين ، لأنه إنما أعد لهم في الآخرة العذاب .